محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

83

الآداب الشرعية والمنح المرعية

وحدث ذات يوم عن الحارث بن مرة الحنفي بحديث الأشربة فقال : " يعيش " وصحف فيه فقال : " تعيس " من أسامي العبيد وخجل ، فقلت له : حدثنا أحمد بن حنبل والقواريري قالا : حدثنا الحارث بن مرة فرجع لما ورد عليه أحمد والقواريري ، قال أبو زرعة جبلان . فصل في محو كتب الحديث أو دفنها إذا كانت لا ينتفع بها " 1 " قال بكر عن أبيه عن أبي عبد الله سمعه - وسئل عن رجل أوصى إليه رجل أن يدفن كتبه - قال : ما أدري ما هذا ؟ وقال الأثرم : قلت لأبي عبد الله دفن دفاتر الحديث ؟ قال : أرجو أن لا يكون به بأس . وقال في رواية أبي طالب : وقد سأله عن محو كتب الحديث فقال : سبحان الله تمحى السنة والعلم ! قلت : ما تقول ؟ قال : لا . وقال أبو طالب أبا عبد الله ما ترى في دفن العلم إذا كان الرجل يخاف أن ليس له خلف يقوم به ويخاف عليه الضيعة ، قال : لا يدفن ولعل ولده ينتفع به ، عبيدة أوصى أن تدفن ، والثوري لم يكن له ولد ولعل غير ولده ينتفع به ، قلت : يباع ؟ قال : لا يباع العلم ولكن يدعه لولده ينتفع به أو غير ولده ينتفع به . وقال في رواية المروذي - وسأله عمن أوصى أن تدفن كتبه ، قال : ما يعجبني دفن العلم . وقال المروذي : سألت أبا عبد الله عن رجل أمر بدفن كتبه وله أولاد فأطرق مليا ثم قال : لعله ينتفع بها ، ثم قال : إن كان فيها منفعة عرضت فما أعطي بها من شيء حسبت من ثلثه . وحمل أحمد بن أبي الحواري كتبه إلى البحر ففرقها وقال : لم أفعل هذا تهاونا بك ولا

--> ( 1 ) قال ابن الجوزي : ولا تخلو هذه الكتب التي دفنوها أن يكون فيها حق وباطل ، أو قد اختلط الحق بالباطل . فإن كان فيها باطل فلا لوم على من دفنها ، وإن كان قد اختلط الحق بالباطل ولم يمكن تمييزه كان عذرا في إتلافها فإن أقواما كتبوا عن ثقات وعن كذابين واختلط الأمر عليهم فدفنوا كتبهم ، وعلى هذا يحمل ما يروى عن دفن الكتب عن سفيان الثوري . وإن كان فيها الحق والشرع فلا يحل إتلافها بوجه لكونها ضابطة العلم وأموالا ، وليسأل من يقصد إتلافها عن مقصوره ، فإن قال : تشغلني عن العبادة . قيل له : جوابك من ثلاثة أوجه : أحدها : أنك لو فهمت لعلمت أنه التشاغل بالعلم أو في العبادات . والثاني : أن اليقظة التي وقعت لك لا تدوم فكأني بك وقد ندمت على ما فعلت بعد الفوات . واعلم أن القلوب لا تبقى على صفائها بل تصدأ فتحتاج إلى جلاء ، وجلاؤها في كتب العلم . . . والثالث : أننا نقدر تمام يقظتك ودوامها والغنى عن هذه الكتب فهلا وهبتها لمبتدىء من الطلاب مضى لم يصل إلى مقامك ، أو وقفتها على المنتفعين بها أو بعتها وتصدقت بثمنها ، أما إتلافها فلا يحل بحال . تلبيس إبليس ( ص 327 - 328 ) .